فوزي آل سيف

126

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

ذلك من حديث الاحتجاج حيث يعد هذا الحديث أحد العلامات المبكرة على الاتجاه الموالي لأمير المؤمنين عليه السلام بين الصحابة. وفي زمان الخليفة الثاني نحن نلحظ أنه لم ينتخب في جملة القرّاء الذين جمعوا القرآن وحفظوه، والذين أرسلوا إلى الشام في زمان يزيد بن أبي سفيان الأموي، وكان العذر في ذلك أنه كبير![374]مع أننا نعتقد أن هذا العذر ليس تاماً وذلك لأن الحادثة لا بد أن تكون قبل سنة 18 هـ حيث توفي يزيد بن أبي سفيان والي الشام حينئذ، وحين استشهد أبو أيوب سنة 52 هـ، كان عمره 98 وهذا يعني أنه حين تم هذا الحديث معه كان بحوالي 65 سنة من العمر، فلا نعرف وجهاٍ واضحاٍ لاستبعاده وهو بتلك السن! حيث أنه كان في زمان أمير المؤمنين عليه السلام مقاتلاً في الجمل وصفين والنهروان، وكان عمره حينها حوالي 80 سنة، فكيف يستكبر عمره على مثل تعليم القرآن هنا وهو من أبناء 65 سنة؟ إننا لا نرى وجها واضحا لذلك. ويظهر أن أبا أيوب كان يتقي من الخليفة عمر، ويخشى عقابه ولذلك فقد ترك بعض السنن التي كان يقوم بها، فقد روي أن أبا أيوب الأنصاري «كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي عمر ركعهما فقيل له ما هذا؟ فقال: إن عمر كان يضرب عليهما».[375] ويظهر أنه في أيام الخليفة عثمان قد التزم موقف أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام في أنه لم يكن قد ذهب بها عريضة كما فعل الثائرون على عثمان القادمون من الأمصار، كما أنه لم يقف إلى جانبه أو يبرر أخطاءه، ونجد أنه أحد شهود الكتاب الذي كتبه الإمام علي عليه السلام بين عثمان والثائرين عليه.. فقد ذكر المؤرخون ذلك، ومنهم البلاذري الذي قال: "أتى المغيرة بْن شُعْبَة عُثْمان فَقالَ لَهُ: دعني آت القَوْم فأنظر ما يريدون! فمضى نحوهم فلما دنا مِنهُم صاحوا بِهِ: يا أعور وراءك، يا فاجر وراءك، يا فاسق وراءك، فرجع! ودعا عُثْمان عَمْرو بْن العاص فَقالَ لَهُ: ائت القَوْم فادعهم إلى كتاب اللَّه والعتبى مِمّا ساءهم، فلما دنا مِنهُم سلم فَقالُوا: لا سلم اللَّه عليك، ارجع يا عدو اللَّه، ارجع يا ابْن النابغة فلست عندنا بأمين ولا مأمون، فَقالَ لَهُ ابْن عُمَر وغيره: لَيْسَ لَهُمْ إلا عَلِي بْن أبي طالب فبعث عُثْمان إلى عَلِيٍّ! فلما أتاه قالَ: يا أبا الحَسَن ائت هَؤُلاءِ القَوْم فادعهم إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه، قالَ: نعم؛ إن أعطيتني عهد اللَّه وميثاقه عَلى أنك تفي لَهُمْ بكل ما أضمنه عَنْك، قالَ: نعم، فأخذ عَلِي عَلَيْهِ عهد اللَّه وميثاقه عَلى أوكد ما يَكُون وأغلظ، وخرج إلى القَوْم، فَقالُوا: وراءك، قالَ: لا بَل أمامي تعطون كتاب اللَّه وتعتبون من كُل ما سخطتم، فعرض عَلَيْهِم ما بذل عُثْمان، فَقالُوا: أتضمن ذَلِكَ عَنْهُ؟ قالَ: نعم، قالُوا: رضينا، وأقبل وجوههم وأشرافهم مَعَ عَلِي حَتّى دخلوا عَلى عُثْمان وعاتبوه فأعتبهم من كُل شَيْء، فَقالُوا: اكتب بِهَذا كتاباً فكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم هَذا كتاب من عَبْد اللَّهِ عُثْمان أمِير المُؤْمِنيِنَ لمن نقم عَلَيْهِ من المُؤْمِنيِنَ والمسلمين: إن لكم أن أعمل فيكم بكتاب اللَّه وسنة نبيّه، يعطى المحروم ويؤمن الخائف ويرد المنفي ولا تجمر البعوث ويوفر الفيء، وعلي بْن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين عَلى عُثْمان بالوفاء بِما فِي هَذا الكتاب. شهد الزُّبَيْر بْن العوام وطلحة بْن عُبَيْدِ اللَّهِ وسعد بْن مالِك بْنِ

--> 374 ) جَمَعَ القُرْآنَ خَمْسَةٌ: مُعاذٌ، وعُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأُبَيٌّ، وأبُو أيوب، فَلَمّا كانَ زَمَنُ عُمَرَ، كَتَبَ إلَيْهِ يَزِيدُ بنُ أبِي سُفْيانَ: إنَّ أهْلَ الشّامِ قَدْ كَثُرُوا، ومَلَؤُوا المَدائِنَ، واحْتاجُوا إلى مَن يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، ويُفَقِّهُهُمْ، فَأعِنِّي بِرِجالٍ يُعَلِّمُونَهُمْ. فَدَعا عُمَرُ الخَمْسَةَ، فَقالَ: إنَّ إخْوانَكُم قَدِ اسْتَعانُونِي مَن يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، ويُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، فَأعِينُونِي يَرْحَمْكُمُ اللهُ بِثَلاَثَةٍ مِنكُمْ إنْ أحْبَبْتُمْ، وإنِ انْتُدِبَ ثَلاَثَةٌ مِنكُمْ، فَلْيَخْرُجُوا. فَقالُوا: ما كُنّا لِنَتَساهَمَ، هَذا شَيْخٌ كَبِيرٌ - لأبِي أيوب - وأمّا هَذا فَسَقِيمٌ - لأُبَيٍّ -. فَخَرَجَ: مُعاذٌ، وعُبادَةُ، وأبُو الدَّرْداءِ. 375 ) المتقي الهندي: كنز العمال ٨/‏٤٩